حكاية عقــل أصبح بلا عقــل
الى أي مدى تغلغلت الازدواجية في حياتنا واصبحت تمارس في أغلب المعاملات ؟
المقدمة :
من المفترض أن يكون العقل مصدرًا للإبداع والتغيير، بل أصبح اليوم رهينة أفكار مقيدة ومتوارثة، لم تعد تُسهم في تقدم المجتمع بل تُعزز من حالة الجمود والانقسام.
هل كانت تلك المؤثرات إجبارًا وفرض قيود أم مجرد انعكاس لحلول مشوهة تعايشنا معها دون وعي؟
اليوم، نعيش واقعًا فرضته علينا عقليات متأثرة بالعادات والابتكارات في التراجع والتراخي ، أنه هو واقع يغتال الأحلام ويصرع ،
الطموح لينتج عقول انهزامية تتقبل سوء الحال كأنه هو القدر المحتوم .و أنما حقيقته سوء القرار . وعدم التقدير !!
- ازدواجية المعايير: النشأة والمسبب :
ازدواجية المعايير ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج تراكمات ثقافية واجتماعية شكّلت هذا المسلك على مر العصور. بدأت هذه الازدواجية مع تشويه القيم الأصيلة وتحريف مقاصدها، حيث أصبح ما يُقال مغايرًا تمامًا لما يُمارس.
- الموروثات الاجتماعية: تحولت تعاليم الدين من دعوة للمساواة والعدل إلى أداة لتبرير التفرقة بين الأفراد. ظهرت الطوائف
- وتعددت وكثرت المذاهب ، حتى تفشى التمييز والعنصرية بين الناس ولو بستار الدين، وتشكل الانقسام داخل المجتمع.
- الممارسة السياسية والفكرية: ساهمت السياسة في نشر الازدواجية من خلال الخطاب المزدوج؛ فيُنادي بالمساواة بينما يُمارس
- المحسوبية . حتى تلاعبت توجهاتهم بالمفاهيم العكسية المتناقضة لخدة هدف وهو استمرار البقاء .
- التنشئة الاجتماعية: الأسرة والمدرسة ساهموا بشكل كبير في ترسيخ هذه المعايير، فمن خلال تعليم النشء أن هناك "فئات" أعلى وأخرى أدنى، سواء في العمل أو التعليم أو حتى الأخلاق .جعلتها أمر محتوم مع أنه وضع مؤقت
لقد تسللت هذه الازدواجية إلى كافة جوانب الحياة، فباتت تُشكّل عائقًا أمام أي محاولات للتقدم أو التغيير. نحن نعيش في حالة من التناقض المستمر؛ نُطالب بالعدالة ونرفض تطبيقها، نُقدس العمل ثم نُهينه، ندعو إلى العلم لكننا نُهمش العلماء.
- العقل بين القيود والتحرر
العادات جزء لا يتجزأ من هويتنا، لكنها ليست مُقدسة عندما تُصبح عقبة أمام التفكير الحر. كيف يمكن لعقل مُقيَّد أن يُبدع؟
كيف يمكن لأفكار مغلوطة لا تتناسب مع هويتنا أن تُساهم في بناء مستقبل مُشرق؟
إن أزمة العقل العربي تكمن في ازدواجية المعايير التي نحياها:
- تحول الدين من رسالة تدعو إلى الوحدة والتسامح إلى طوائف ومذاهب تُفرّق المجتمعات.
2. أصبحنا نُصنف العلوم بين قمة وقاع، علم مُحترم وآخر مُهمل، بينما نحتاج إلى كل علم لبناء مجتمع متوازن.
3. أهملنا قيمة العمل وصنفناه إلى أعمال دنيا وأخرى عليا، ففقدنا قيمة الجهد والسعي.
كل ذلك ساهم في خلق عقلية مشوهة، ترى القيود أمرًا حتميًا والواقع السيء أمرًا مقدرا لا مفر منه.
- العودة إلى عصور الجاهلية يصيغه الازدواجية
إن كُنا نظن أننا تحررنا من الجاهلية، فإننا للأسف قد صنعنا جاهلية جديدة بمفاهيم حديثة. فالعنصرية التي كنا نحاربها أصبحت تُمارس بأشكال أخرى، والتفرقة بين الناس باتت قائمة على أسس لم تكن موجودة من قبل. العالم الحديث فتح لنا أبوابه، لكننا دخلنا فيه متفرقين، فأصبحنا عبيدًا لمسميات جديدة:
- عبودية المال: أصبح المال هو الهدف الأسمى، فتخلينا عن القيم وكرامة الإنسان.
- عبودية السلطة: أصبحت المناصب غاية تُبرر كل الوسائل، حتى لو كان الثمن عقول الأجيال القادمة.
- عبودية الأهواء: سيطرت علينا ثقافة الاستهلاك والبحث عن المتعة السريعة دون وعي أو مسؤولية.
لقد دارت بنا الدائرة، وأعدنا إنتاج الماضي في صورة عصرية. السادة أصبحوا عبيدًا لأهوائهم، والعبيد ظلوا كما هم، بلا تغيير.